مصطفى لبيب عبد الغني

179

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

كتابه في النبوات « 1 » حين يستخفّ - والسفه غير لائق بالفضلاء والكبراء . وقد كان في نسخه منها يلوّث خاطره ولسانه وقلمه بما يتنزه العاقل عنه ولا يلتفت إليه إذ لا يكسبه سعيه في الدنيا إلا مقتا » « 2 » . فالرازى متهم في عقيدته : في آرائه التي سطرّها بل حتى في خواطره التي كانت تهجس بها ذات نفسه ، ولذلك يتبرأ البيروني منه - وهو المفكر السنى

--> - اللبنانية ) ولقد التفت المسعودي إلى شغف الرازي بعموم المعرفة واستقصائه لطبائع البشر في ماضيهم وحاضرهم والتحري عن معتقداتهم ومذاهبم ، وكان للكثير من المصنفين - قبل الرازي وبعده - ولع بذكر الملل والنحل وقويت عزائم طائفة من ذوى الهمم فعت إلى تأسيس علم الأديان المقارن - بموضوعه ومنهجه المتميّز - الذي لا يعنى فيه صاحبه بالنفي أو الإثبات وإنما يلتزم بحدود الوصف والتفسير فحسب . وفي حكاية المسعودي عن جهود الرازي وجه التاريخي المرهف ما يدعّم افتراضنا لدور ريادى اضطلع به الرازي في هذه الخصوص ، ولم يكن الرازي بحال ما ملحدا أو خارجا يكيد لعقائد الإسلام أو يتناولها بالتجريح وهو يعرض لصنوف العقائد والنحل ويستوقفه ما يجده فيها من غرابة أو طرافة ومباينة للمألوف . ومن الجدير بالاعتبار هنا أن توضع محاولة الرازي ضمن محاولات ابن الكلبي والبيروني والشهرستاني وابن حزم ممن أرسوا دعائم « علم الأديان المقارن » في الحضارة الإسلامية . ويذكر المسعودي كتابا ألفه الرازي عن سير الخلفاء ( فقرة 10 ص 15 ج 1 ) ، كما يتحدث المسعودي عن دوره في تأريخ العقائد فيقول : « ثم رجع بنا الإخبار عن مذاهب الصابتة من الحرّانيين وذكر من أخبر عن مذاهبهم وكشف عن أحوالهم . فمن ذلك كتاب رأيته لأبى بكر محمد بن زكريا الرازي الفيلسوف صاحب كتاب المنصوري في الطب وغيره . ذكر فيه مذاهب الصابتة الحرّانيين منهم دون خالفهم من الصابتة وهم الكيماريّون ، وذكر أشياء يطول ذكرها ويقبح عند كثير من الناس وصفها ، أعرضنا عن حكايتها إذ كان في ذلك خروج عن حد الغرض من كتابنا إلى وصف الآراء والديانات . ( فقرة 1397 ص 394 - 395 ج 5 ) . وواضح بما لا يدع مجالا للريب أن المسعودي - في حدود ما يورده - لا يعتبر الرازي صابئيا أو مانويا أو يحسبه على أي طائفة من طوائف الملحدين . وفقدان كتاب الرازي خسارة كبيرة تجعلنا غير قادرين على تحديد مكانته في دراسة تاريخ الأديان وبيان حقيقة موقفه كمؤرخ أو صاحب معتقد . ( 1 ) يثبت البيروني للرازي كتابين في « الكفريات » هما : « في النبوات ويدعى نقض الأديان » و « في حيل المتنبئين » ، ويدعى مخاريق الأنبياء » . ( فهرست كتب الرازي رقم 173 ، 174 ) . وورد في كتاب « البدء والتاريخ » قول المقدسي : « واعلم أن لمحمد بن زكريا كتابا زعم أنه مخاريق الأنبياء لا يستجيز ذكر ما فيه والبغضة للأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين ولأتباعهم » ح 3 ، ص 110 . ( 2 ) البيروني : « فهرست » ص 2 - 3 .